محمد بن وليد الطرطوشي

423

سراج الملوك

تبكي شجرة فقدتها ، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون ، أردت أن أهلكهم ؟ ! وقيل لابن السّماك الأسدي « 1 » أيام معاوية : كيف تركت الناس ؟ قال : بين مظلوم لا ينتصف ، وظالم لا ينتهى . وقال بعض الحكماء : أفقر الناس أكثرهم كسبا من حرام ، لأنه استدان بالظلم ما لا بد له من رده . وقال رجل : كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز ، فذكر الحجّاج فسببته ووقعت فيه ، فقال عمر : إن الرجل ليظلم بالمظلمة ، فلا يزال المظلوم يشتم الظالم ويسبّه ، حتى يستوفى حقّه ، فيكون للظالم حقّ عليه . وقال عمرو بن دينار « 2 » : نادى رجل في بني إسرائيل : من رآني فلا يظلمنّ أحدا ، وإذا رجل قد ذهب ذراعه من عضده ، وهو يبكى ويقول : من رآني فلا يظلمنّ أحدا ، فسئل عن حاله ؟ فقال : بينما أنا أسير على شاطئ البحر في بعض سواحل الشام ، إذ مررت بنبطيّ « 3 » قد اصطاد أربعة أنوان « 4 » ، فأخذت منه نونا وهو كاره ، بعد أن ضربت رأسه ، فعض النون إبهامى عضّة يسيرة ، ثم أكلناه ، فوقعت الأكلة « 5 » في إبهامى ، فاتفق الأطبّاء على قطعه فقطعته ، فوقعت في كفّي ، ثم ساعدي ، فمن رآني فلا يظلمن أحدا ، فخرجت أسيح في البلاد ، وأريد قطع عضدي ، إذ رفعت لي شجرة فأويت إلى ظلها ، فنعست ، فقيل لي في المنام : لأي شيء تقطع أعضاءك ؟ ردّ الحق إلى أهله . فجئت الصياد فقلت : يا عبد اللّه : انا مملوكك فأعتقني ، فقال : ما أعرفك ؟ فأخبرته فبكى وتضرع وقال : أنت في حل . فلما قالها ، تناثر الدود من عضدي وسكن الوجع . فقلت له : بما ذا دعوت على ؟ قال : لما ضربت رأسي وأخذت السمكة ، نظرت إلى السماء وبكيت ، فقلت : يا رب ، أشهد أنك عدل تحب العدل ، وهذا منك عدل وأنك الحق تحب الحق ، وخلقتني وخلقته ، وجعلته قويا وجعلتني ضعيفا ، فأسألك يا من خلقتني وخلقته أن تجعله عبرة لخلقك .

--> ( 1 ) ابن السماك الأسدي ، سيد الوعاظ أبو العباس محمد بن صبيح العجلي ، توفي سنة 83 ه ، ( الأعلام 8 / 329 - 331 ) . ( 2 ) عمرو بن دينار الجمحي ويلقب بأبى محمد الأثرم ، من أهل مكة ، وروى مجموعة من الأحاديث توفى سنة 126 ه ( الأعلام 5 / 77 ) . ( 3 ) النبطي : جمعها أنباط وهم قوم من العجم كانوا ينزلون بين العراقين ، وكان لهم دولة عاصمتها البتراء في الأردن سموا نبط لاستنباطهم ما يخرج من الأرض ، ثم استعمل في أخلاط الناس وعوامهم . ( 4 ) مفردها نون وهو الحوت . ( 5 ) الأكلة : الحكّة .